Home / أخبار مهمة / قبل الكلام في الشأن العام. المفتي الشيخ أحمد نصار

قبل الكلام في الشأن العام. المفتي الشيخ أحمد نصار

إن من أهم متطلبات الداعية (الشيخ) إذا أراد التكلم في الشأن العام، وتصدير حكم أو موقفٍ صحيحٍ على أي نازلة؛ سياسية أو اجتماعية، اقتصادية أو تربوية…، أن يكون على دراية وفهم بالواقع المحيط به وتأثيراته الداخلية والخارجية، متعمقاً فيما تؤول إليه الأفعال، وقّافاً عند حدوده، متجرداً من العصبية؛ الطائفية أو المذهبية، المناطقية أو الفكرية…

والله تعالى يقول: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) فاستبانةُ سبيل المجرمين متوقِّفة على توضيح وفهم مخطَّطاتهم وأهدافهم ووسائلهم في الوصول إلى تلك الأهداف، وهو ما يعرف بفقه الواقع. وما روي في الصحيحين من حديث الصدِّيقة عائشةَ رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (ألم تَرَي أن قومك لَمَّا بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟)، فقلت: يا رسول الله، ألا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ قال صلى الله عليه وسلم لها: (يا عائشة، لولا أن قومك حديثُ عهدٍ بجاهليّة، لأَمرتُ بالبيت فهُدِم، فأدخَلت فيه ما أُخرِج منه، وألزقتُه بالأرض، وجعلتُ له بابين، باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلَغت به أساس إبراهيم)، دليل مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لواقع قومه، وأن ما قد يؤول إليه الأمر بسبب ذلك منعَه من هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم.

إن كلام الداعية (الشيخ) في الشأن العام، فتوى، كونه يصبح منهجاً ينتهجه المقلدون، وسلوكاً يسلكه السائرون طاعة لله كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول َوَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، إذ العلماء ورثة الأنبياء. وتصدير الداعية (الشيخ) لحكم أو موقف، مسؤولية لا يستهان بها، إذ يتوقف عليها صلاح أو فساد، للفرد أو للمجتمع، وفتواه إخبار عن الله، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الله أو رسوله شرع كذا، أو أراد كذا، والقول على الله ورسوله بغير علم من الكذب على الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

كما أن الكلام في الشأن العام بغير علم فيه كبر وازدراء للناس، وهو من كبائر الذنوب، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الكبر بقوله: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، فمتى احتقرهم وازدراهم: دفع حقوقهم ومصالحهم وجحدها واستهان بها، فضلّ وأضلّ.

قال ابن القيم رحمه الله: “ولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحُكم بالحقِّ إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فَهْم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقةِ ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات؛ حتى يحيط بها علماً. والنوع الثاني: فَهْم الواجب في الواقع، وهو فهم حُكم الله الذي حكَم به في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر”.

وقال رحمه الله: “وقد شرَعَ النبي صلى الله عليه وسلم لأمتِه إيجابَ إنكار المنكر؛ ليحصل بإنكاره مِن المعروف ما يحبُّه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكَرُ منه، وأبغَضُ إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكارُه، وإن كان الله يُبغِضه ويمقُتُ أهله، ولا يتمكن المسلم من ذلك إلا إذا كان فقيهاً بواقعه، بصيراً بما يجب عليه فيه”.

وأوضح ابن القيم هذا المعنى مظهراً تميّز أهل الدراية بالواقع والمآل – وهم قليل – عن غيرهم – وهم كثير- بما رواه عن أستاذه ابن تيمية رحمه الله تعالى، إذ يقول: “مررتُ أنا وبعض أصحابي في زمنِ التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكَرَ عليهم مَن كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنّما حرَّم الله الخمر؛ لأنّها تصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدُّهم الخمرُ عن قتل النفوس وسبي الذريّة وأخذ الأموال، فدَعْهم”.

إن الأحكام أو المواقف الناتجة عن فقه الواقع والمقاصد، تتعلّق بالمتغيرات لا بالثوابت، والمتغيرات الواقعة بأحوال النَّاس كثيرة وسريعة، وأيّما داعية (شيخ) إن لم يكن عارفاً بواقعه معرفةً كافية، أو ليس لديه تصوُّر كامل وصحيح لقضايا الأمة، أو كان ممن تصلب على قناعاته المبنيّة على المتغيرات، أو أخذه الكبر أن يتراجع عن خطأ، أو يخشى اتهامه بأنّه متغير بحسب الوقائع، أو يخشى مخالفة سياسي أو شيخ أو طائفة أو هيئة أو مذهب ينتمي إليه، أو يخاف من لوم الجهلاء له، فحريٌّ به أن يلزم حدّه، ولا يتحدث في نازلة من الناحية الشرعية، لئلا يزيد في المجتمع عِلة، وينشر بالناس جهلاً وفُرقة، ويكون معول هدم، أو مسعّر فتنة، ورحم الله الإمام المزي إذ يقول: (ولو سكَتَ مَن لا يدري، لاستراح وأراح، وقلَّ الخطأ، وكثُر الصواب)، اللهم ارحمنا برحمتك.

About admin

Check Also

mustafa yousaf aldawi

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين “.4″بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

دروسٌ طالبانية متعددةُ الاتجاهاتِ ومختلفةُ العناوين “4” وضوحُ الهدفِ ورفضُ المساومةِ بقلم د. مصطفى يوسف …